محمد كرد علي
169
خطط الشام
بنفسي خلال عشر سنين متتابعة فرأيت أنها لا يبلغ ارتفاعها 250 ميليمترا في أكثر هذه السنين ، وكان ارتفاعها دون مائتي ميليمتر في ثلاث سنين . فالغوطة إذن كالواحة كادت تكون صحراء لا تصلح للزرع ، لولا بردى والأعوج ومشتقاتهما التي قلبتها جنة ناضرة . رابعا - لا يسقط الثلج في إقليم الغور ولا تهبط الحرارة إلى الصفر . ويندر هبوطها إلى الصفر في السواحل . أما في السهول الداخلية فلا تهبط لأوطأ من عشر درجات تحت الصفر في السنين الاعتيادية ويندر هبوطها إلى هذا الحد . لكن لكل قاعدة شواذّ ففي شتاء سنة ( 1924 - 1925 ) وكانت سنة قرّ شديد هبطت الحرارة إلى 15 درجة تحت الصفر في دمشق و 20 درجة تحت الصفر في سلمية . ودام الصقيع عدة أيام فأتلف الأسباناخ والملفوف والسلق والمقدونس والبيقية والحلبة والفول وغيرها من البقول كما أتلف براعم التين والرمان وأغصان الليمون والبرتقال وبعض ورق الزيتون . وباد كثير من الأزهار والرياحين وأشجار التزيين كالمنثور والكافور والسنط والفلفل الكاذب والخروع والكزورينا وغيرها . أما الحنطة والشعير والمشمش والتفاح والكمثرى والدراق والخوخ والصنوبر والسرو والازدارخت والصفصاف والزيزفون والورد فقد قاومت فلم يمسها الصقيع بأذاه . وأضر مما ذكر هبوط درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر بضعة أيام في أوائل نيسان من سنة 1925 فتلف أكثر من نصف محصول المشمش في الغوطة ، واسودت أفنان الجوز ، وبادت نباتات الخيار والكوسى والبنادورى البكيرة ، فعاد الزراع إلى بذر بذورها ثانية . ولقد ذكرت هذه الأحداث لأن الطاعنين في السن من أرباب الفلاحة لم يرو شبيها لها منذ ثلاثين سنة ونيف . خامسا - ليس لبناء التربة في الشام كبير تأثير في إمكان غرس الشجر أو عدمه في إحدى المناطق ، بل العامل الأقوى هو الإقليم وذلك أن الأمطار تهطل في الشام خلال شهور معلومة ثم يعقب المطر يبوسة تدوم بضعة شهور . وتكون الرياح شديدة ، والحرارة زائدة ، في شهور اليبوسة ، ومهما كان ارتفاع المطر السنوي كبيرا حتى في سواحل الشام فكثير من أشجار الفاكهة لا يعيش بهناء عذيا ، بل لا بد من إسقائه كالبرتقال والليمون والتفاح والكمثرى والمشمش